بحث متقدم
background

مقدمة

تعترض كل أديب في حياته الأدبية عقبات ومصاعب ومشكلات اجتماعية، تحول بينه وبين التعليم وتحصيل الشهادات، كما تحول بينه وبين العيش بلا قلق أو خوف أو أسئلة مُرة صعبة محيرة. ولكن الحياة التي عاشها الكاتب الأمريكي إدجار آلان بو كانت حياة أكثر صعوبة، وأكثر وجعاً، فلا بداياته سارّة، ولا نهايتها سارة أيضاً مع أنه غدا واحداً من أهم رموز الأدب والإبداع في الولايات المتحدة الأمريكية.. ولم يكن من توصيف لحياته كلها سوى حياة البؤس، والتشرد، والفوضى، والأحلام التي لا تصير واقعاً.

ولد إدخار آلان بو لأبوين ممثلين سنة 1809، التقيا على خشبة المسرح فأعجب أحدهما بالآخر، واتفقا على الزواج الذي انتهى بوفاتهما معاً، وإدخار طفل صغير، ربته خادمة البيت الزنجية، وأخذته معها إلى حيث تعيش بعدما تركت بيت الأسرة الذي ما عاد بيتاً، كان إخوة هذه العجوز يعملون في المزارع خدّاماً أيضاً، فذهبت به لتعيش معهم وسط المزارع، وعالم الخضرة والأزهار والثمار والسواقي والطيور. وقد جذبته حياة المزارع، والحكايات المروية ليلاً في أوقات السمر والأخيلة التي جمَّلتها، والأغاني والأهازيج التي يهلل بها المزارعون نهاراً. وفي عمر السادسة تبنت إدخار أسرة إنكليزية، وهي أسرة ثرية جداً لكنها لم ترزق بالأطفال، فأدخلته المدرسة، ورعته رعاية جيدة، وقد أحبَّ سيد الأسرة وزوجته إدجار كثيراً لما اتصف به من نباهة، وذكاء، وبداهة ملحوظة، وعاش في المدرسة عاش جواً من السعادة والبهجة حيث الطبيعة الوارفة، والأصدقاء المتعاونون على المحبة، والألعاب المسلية، والمعلمون الذين كانوا يعطفون عليه، ووجد في المدرسة الكتب الكثيرة، وهدايا الاجتهاد، لكن وما إن شبَّ إدجار، وبات في عمر الفتوة حتى غلب عليه المزاج المتقلب الذي ما عاد يطيق أوامر المدرسة والمدرسين وأنظمتها الإدارية، بعدما أدخله أبواه بالتبني مدرسة داخلية، فما عاد يلتقي بهما إلا أيام العطلة، وقد باتت أعراض مرض السل (الذي ورثه عن والديه) تظهر، فنحل جسده، وبدا لونه مصفراً على الدوام، تحكم المزاج المعتل بتصرفاته، فأخذ يهرب من المدرسة ويتمرد على قوانينها، الأمر الذي استدعى تدخلاً من أبويه لإرشاده والضغط عليه ليتابع دروسه، ومع أنه استجاب لرغبتهما إلا أن تحصيله العلمي لم يكن على مستوى جيد. في تلك الفترة، وهو في بدايات الشباب، اعتاد الشراب ومطاردة الفتيات، ولم يرث من هاتين الخصلتين سوى الاعتلال الصحي والخيبات، وقد جوبه إدخار بمقاومة قوية من والده بالتبني الأمر الذي أدّى إلى هروبه من المنزل وهو في السابعة عشرة من عمره، وبهذا العمر بدأت رحلة التشرد التي عاشها إدجار طوال حياته، فكانت حياته حياة مغامرات مع الشراب والفتيات والأعمال والناس الذين يعرفونه.

في هذه السن بدأت قصائد إدجار آلان بو تظهر وأعجب بها المشرفون على الصفحات الثقافية في الصحف، والنقاد الذين يدلون بآرائهم حول النصوص المنشورة، الأمر الذي حمل إدجار آلان بو على طباعة مجموعة شعرية أولى عنوانها: (تيمورلنك وقصائد أخرى)، لكن المجموعة لم يلق الإعجاب، ولم تعد عليه بأي مردود مالي. لذلك كان كثير التردد على بيت آلان، الأب بالتبني، طالباً المال، وكان يُعطى، لكن كثرة طلباته جعلت الأبوين لا يلبيان رغائبه، ولأن مزاجه الصعب أفسد حياته، ولأنه انحدر.. فأحاطت به آفة الشراب والتدخين وتعاطي المخدرات وفي سن الثامنة عشرة التحق بالجيش الأمريكي، وبقي فيه مدة خمس سنوات تحت اسم جديد هو إدجار بيري الذي وقّع به على مجموعته الأولى (تيمورلنك وقصائد أخرى)، وقد عاش خلال سنوات العسكرية في فعالية صعبة مع النظام العسكري حتى استطاع الالتزام بأوامره التي خرقها مرات عدة، وعوقب عليها، ومع ذلك التحق بالكلية الأكاديمية للحربية الأمريكية ليتخرج منها ضابطاً لكن سطوة النظام، والانضباطية الشديدة حالت إلى هروبه من الكلية التي طُرد منها. عندئذٍ لم يجد من ملجأ له سوى بيت عمته السيدة كليم، التي أنقذته بعاطفتها من الانتحار الذي راوده كثيراً وهو في حالة السكر، بل إنها زوَّجته من ابنتها (فرجينيا) وهي في الرابعة عشرة من عمرها فقط، وقد عشق إدجار ابنة عمته، فكتب لها الأشعار الكثيرة بعد ما رأى فيها المرأة المثالية في الجمال والصورة، وعدّ حبهما حبّاً أفلاطونياً وجد لكي يخلد الجمال وسمو المحبة. لكن مرض السل فتك بالمرأة الشابة، وقد بذل إدجار كل ما لديه من مال لكي تنجو زوجته من الموت، لكن البرودة الشديدة، وتفاقم المرض، وضيق ذات اليد كلها تعاونت فقضت على المرأة الجميلة الفتية، وبرحيل زوجته (فرجينيا) اسودت الدنيا أمام ناظريه، فقد فيها كل بهيج وجميل وحميم، فبات وحيداً مشرداً يبحث عن النسيان في ساعات الشراب.


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
ياسوناري كاواباتا-اليابان

يعرف الأدب الياباني بأنه أدب يتصل بالتراث الشعبي الياباني، يمجد العادات والتقاليد اليابانية ويحرص عليها، كما يمجد التربي...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
إيسوب-اليونان

 يقال إن إيسوب شخصية وهمية لا وجود لها، اختلقها مؤرخو الأدب اليوناني لينسبوا إليها بعض الحكايات الشعبية التي تداوله...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
كراتشكوفسكي (1883- 1951)-روسيا

أصدر كراتشكوفسكي أكثر من أربع مئة وخمسين كتاباً بين مؤلف ومترجم ومحقق باللغات الروسية والفرنسية والألمانية والعربية.. و...

اقرأ المزيد