بحث متقدم
background

مقدمة

ينتسب ملوك طيبة الذين اشتهروا بأعمالهم وأفعالهم في التاريخ والأدب إلى سلالة (قدموس)، ومن هؤلاء الملك الثالث (لايوس) الذي تزوج من ابنة عمه (جوكاستا)، وقد كان لمعبد (دلفي) دور مهمّ في النبوءات التي شكلّت صلب الحياة الإغريقية، كما كان للإله (أبولو) دور الإله الناطق بالحقيقة أو الدور المؤكد لنبوءات (دلفي)، فكل ما تقوله كاهنة (دلفي) يغدو حقيقة بعد مباركة (أبولو) له، ولا مجال للتهرب من النبوءة أو التفلت منها، أو الابتعاد عن طريقها مهما كانت نتائجها فاجعة وجارحة، فالهروب من النبوءة محاولة عابثة، وضياع للوقت، وتفكير في غير محله، إنها محاولة أشبه بمحاولة الهروب من الأقدار.

لقد تنبأت كاهنة (دلفي) للملك (لايوس) أنه سيقتل على يدي ابنه، لذلك سعى إلى عدم تحقيق هذه النبوءة مع أن الخوف تملكه، وحين أنجبت زوجته (جوكاستا) ولداً ذكراً حمله إلى أعلى جبل أدركه، ورماه هناك بعدما ربط ساقيه بحبل، تاركاً مصير هذا الطفل للمجهول، وهو لم يندم على فعلته هذه لأنه كان يبحث عن مستقبله، وعن الطريقة التي لا تؤدي إلى تحقيق نبوءة كاهنة (دلفي) ولكنه قتل، ولم يعرف أن قاتله هو ابنه حقاً، وأن النبوءة تحققت بكامل تفاصيلها، لقد قتل بعيداً عن طيبة، وقيل إن عصابة هاجمته مع أصحابه، وقد قتلوا جميعاً ما عدا واحداً منهم، هو الذي نشر الخبر، ولم تتأكد أخبار من هم الذين قتلوا الملك، لكن خبر مقتله تأكد، وشيعت جنازته في موكب عرفت به مدينة طيبة.

في تلك الأثناء كانت طيبة محاصرة بخطر وحشي خرافي هو (غول) كان يربض على بوابتها، عبارة عن أسد مجنح، له وجه امرأة، وصدر امرأة، كان ينتظر العابرين على الطرق المؤدية إلى طيبة، مثلما ينتظرهم عند بواباتها الرئيسية، وكان يسأل العابرين سؤالاً، أشبه باللغز، فإن أجاب العابرون عنه، تركهم يمرون بسلام، وإلا فمصيرهم هو الموت، وبذلك أصبحت طيبة مدينة محاصرة، ومدينة للخوف من هذا الوحش المرعب، الأمر الذي أدى إلى إغلاق بوابات طيبة السبع، وعاش المواطنون حالة حصار، وجوع، وخوف.

في هذه الأثناء وصل طيبة رجل غريب، شجاع، ذكي اسمه (أوديب)، لقد غادر بيته في (كورنثا)، وهو ابن الملك (بوليبوس)، ترك مدينته وبيته في كورنثا بسبب نبوءة أخرى قالها معبد (دلفي) على لسان الإله (أبولو) بأن (أوديب) سيقتل أباه، لذلك وبسبب حبه للملك (بوليبوس) ملك (كورنثا) قرر مغادرة المدينة، والبيت، وأن لا يعود إليهما مرة أخرى كي لا تتحقق النبوءة، فيقتل (أوديب) الملك (بوليبوس) الذي تربى في حجره.

وفي طريقه وصل إلى أطراف مدينة طيبة، وسمع هناك مخاوف الناس، وخطورة الوحش الذي يقتل كل ما لا يريد الدخول إلى المدينة، وكان (أوديب) تائهاً، حائراً، فهو بلا وطن، بلا أصدقاء، بلا غايات، إنه شخص هارب من نبوءة قاتلة، كانت الحياة لا تعني له شيئاً، لذلك صمم أن يقحم نفسه، أن يرميها في طريق هذا الوحش لعله يحل اللغز، فينقذ الناس، وحين وصل إلى بوابة طيبة، رأى الوحش المخيف، وهو على هيئة امرأة، واستمع إلى السؤال/ اللغز: من المخلوق الذي يمشي على أربع صباحاً، واثنين ظهراً، وثلاثة مساءً، فأجاب أوديب: إنه الإنسان، فهو في طفولته يحبو ويزحف على يديه ورجليه، وفي شبابه يمشي على قدمين، وفي شيخوخته يمشي بمساعدة العكازة، كان الجواب صحيحاً، لذلك قتل الوحش نفسه، وأنقذت طيبة من حصارها، ومن جوعها، ومن مخاوفها أيضاً، ومكافأة له جعله المواطنون ملكاً عليهم، وزوجوه زوجة الملك القتيل (جوكاستا).

صادف أوديب في ترحاله مجموعة من الناس حاولوا النيل من كرامته، فرأى فيهم جماعة من اللصوص، فقتل عدداً منهم، ولم ينج من الموت سوى شخص واحد فرّ هارباً، كان ذلك قبل أن يصل إلى أطراف مدينة طيبة.

وحين أصبح (أوديب) ملكاً على طيبة، وتزوج (جوكاستا) زوجة الملك القتيل، ورزق منها غلاماً، عم الوباء أرجاء طيبة، وشاع الطاعون فيها، وعندما لجأ (أوديب) إلى معبد (دلفي) لرفع هذا الوباء، أرسل (كريون) شقيق زوجته (جوكاستا) إلى المعبد، وحين عاد، أخبر الناس بما قاله (أبولو) أن الوباء لن يرفع إلا إذ عوقب قاتل الملك (لايوس)، فاستراح (أوديب) وعزم على كشف الشخص الذي قتل الملك (لايوس)، واستعان بالعرافين، ومنهم عراف طيبة (ترسياس)، وسأله إن كان يعرف قاتل الملك (لايوس) فدهش العراف، ورفض الإجابة، لكن (أوديب) ألح عليه، ولم يجب، فاتهمه بأنه شريك للقاتل، عندئذٍ انفعل العراف الأعمى، وقال: أنت القاتل الذي تبحث عنه.

دهش (أوديب)، وظن أن العراف جن، وأمره بالخروج قبل أن يقتله، ولم تصدق (جوكاستا) زوجة (أوديب) كلام العراف (ترسياس) أيضاً، لكنها أخبرت زوجها (أوديب) بأن عرافة (دلفي) قالت إن الملك (لايوس) سيقتل على يد ابنه، وأنها هي وزوجها (لايوس) قتلا ذلك الطفل كي لا تتحقق النبوءة، وقالت إن الملك (لايوس) قتل على أيدي لصوص خارج مدينة طيبة، فسألها عن الوقت الذي حدث فيه ذلك وعن الرجل الذي بقي على قيد الحياة، فأخبرته فطلب (أوديب) رؤية ذلك الرجل الناجي، أحست (جوكاستا) بأنه جن، فسألته ما به فقص قصته عليها بأنه هرب من كورنثا كي لا يحقق نبوءة دلفي القائلة بأنه والده، وأنه التقى رجلاً ومعه أربعة أتباع في مفترق لطرق ثلاثة، حاول إبعادي عن الطريق بالقوة، وضربني بعصاه، لحظتئذٍ تلبسني الغضب فقتلته، ثم قتلت ثلاثة من أتباعه وفر الرابع.

وبينما هو يحدثها جاءت نبوءة (أبولو) التي تفسر ما حدث، فأوديب ليس ابن ملك (كورنثا) (بوليبوس) وإنما هو ابن (لايوس) وأنه قتل أباه، وتزوج أمه، وأنه أنجب أولاداً منها مرعبين، وجاء الراعي الذي حمل (أوديب) طفلاً إلى الملك (بوليبوس) أي الطفل أوديب لم يمت فوق قمة الجبل.

أخيراً عرف (أوديب) كل شيء، فقد تحققت نبوءة (دلفي) لقد قتل والده، وتزوج أمه (زوجة أبيه) وأن اللعنة حلّت عليه منذ لحظة ولادته، كان أشبه بالمجنون الثائر حين عرف ذلك، بحث عن زوجته (التي هي أمه)، فوجدها في مقصورتها ميتة بعد أن عرفت الحقيقة، وبجانبها سمل عينيه، لكي يحوّل نورهما إلى عتمة، ليعيش في عالم الظلمة كي لا يرى صور العار التي لحقت بها.


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
أطلنطا-أسطورة

أطلنطا إحدى الأساطيرالتي شغلت مؤرخي الأساطير بأحداثها التي رافقها الكثير من الشك والتأوّل، ولم يهتموا بالبحث عن مولدها، ...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
رسالة الإله بعل

عالم الآثار الأستاذ (غوردون) يؤكد أن نصوص أوغاريت تزودنا بمؤشرات تدل على وجود دورة حياة كاملة للإله بعل تستغرق سبع سنوات...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
قدموس

تدور قصة قدموس حول قصة إغريقية أخرى هي خطف أخته (أوربا) من قبل الثور الخرافي الذي عبر بها ضفة البحر الأبيض المتوسط الشرق...

اقرأ المزيد