بحث متقدم
background

الحكمـــة في الشعر الجاهلي 


مقدمة

يرتبط معنى الحكمة وفق معجمات اللغة بمفهومات العدل بمدلولاته الاجتماعية، والحلم بمدلولاته الأخلاقية، والعلم بمعناه المعرفي. وظهر غرض الحكمة في الشعر الجاهلي في تضاعيف مطولاته، أو بأبيات مفردة حكت تجارب الشاعر ورؤيته للحياة، وارتبطت الحكمة في الشعر الجاهلي ارتباطاً وثيقاً بمجموعة التجارب العامة والخاصة في عصره، وبرزت على صورة درجة من الوعي الفكري يجمع معاني عامة، تأتي دائماً عن طريق تجربة أو نظرة في الحياة، فيها عظة الماضي، وتجربة الحاضر، وحذر المستقبل. وهي نظرات تحمل فلسفة الجاهلي ورؤيته للحياة والموت وخلاصة خبرته في التجارب، وإن كانت تدل على بساطة ما، فإن ذلك مرتبط بطبيعة نتاجها الزماني والمكاني، وطبيعة إنسان عصرها وعلاقته بالبيئة ومفهوماتها الفكرية والعقائدية، وليست ببساطتها تعني السذاجة و البدائية، أو سطحية التجربة، فنجدها عند زهير بن أبي سلمى "كانت تقرب من المعاني الإسلامية، وذلك أن الفترة التي سبقت عهد الرسالة المحمدية كانت فترة إرهاص وتهيؤ" وهذا التقارب يؤكد عمقها وتمثلها للتجربة الإنسانية الراقية، فنراه يشبه الموت بخبط عشواء: أي بناقة تخبط خبط عشواء، وهي التي لا تبصر ما أمامها ليلاً:

  رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ
  وَمَن هابَ أَسبابَ المَنِيَّةِ يَلقَها وَلَو رامَ أَسبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

فالموت في نظر زهير لا يخضع لأسباب منطقية، ولامناص منه فهو مصير محتوم لكل حي ولا يمكن الهروب منه، وهذه رؤيا واعية لمفهوم الموت. ونرى الرؤيا ذاتها عند طرفة، فهو مصير حتمي، وهو لابد أن يطال كل مخلق، وسوف يتساوى الجميع في القبور، يقول:

  أَرى قَبرَ نَحّامٍ بَخيلٍ بِمالِهِ كَقَبرِ غَويٍّ في البَطالَةِ مُفسِدِ
  لَعَمرُكَ إِنَّ المَوتَ ما أَخطَأَ الفَتى لَكَالطِّوَلِ المُرخى وَثِنياهُ بِاليَدِ

أحس الشاعر الجاهلي بالموت إحساساً مبهماً، فلم يكن يمتلك عقيدة واضحة تجعله يفهم الموت بمنظور يتقبّله، لغياب مفهوم البعث والحساب، وخلّف هذا الإحساس المبهم شعوراً قلقاً وغموضاً ألقى السوداوية على تفكيرهم بالنهاية المؤلمة، فنجد الأسود بن يعفر في داليته، بعد أن تحدث عن حتمية الموت الذي ألم بمن سبقوه من العظام يدعو للاتعاظ بمَن سلف، فقد استبد به قلق أرخى سدوله المظلمة على أحاسيسه، فنراه يحاول انتزاع نفسه من براثن القلق، فيندفع إلى الحياة، ولكنه يعود في نهاية القصيدة، فيختمها بقوله:

                      فإذا وذلك لا مهاهَ لذِكرهِ                         والدّهرُ يُعقبُ صالِحاً بفسادِ

ونجد نظير هذه الرؤيا في حكم علقمة، فيرى أن كل قوم مهما بلغت عزتهم وكثرتهم معرضون لدواهي الدهر، والناس يزيدون من شر الدهر بعدم تعاونهم على نوائبه، والقدر الأعمى يسيطر على المصائر، فبعض الناس ينال حظاً سعيداً أنى توجّه، وبعضهم كُتب عليه الحرمان، والناس عامة يغلبهم الجهل، ويندر بينهم الحلم، وكل بيت - لا بد مهدوم - يقول:

  بَل كُلُّ قَومٍ وَإِن عَـزّوا وَإِن كَثُروا عَريفُهُم بِأَثافي الشَّـرِّ مَرجومُ
  وَالجودُ نافِيَةٌ لِلمالِ مُهلِـكَةٌ وَالبُخلُ مُبقٍ لِأَهليهِ وَمَذمومُ
  وَالحَمدُ لا يُشتَرى إِلّا لَهُ ثَمَنٌ مِمّا تَضِنُّ بِهِ النُّفـوسُ مَعلومُ
  وَالجَهلُ ذو عَــرَضٍ لا يُستَرادُ لَهُ وَالحِلمُ آوِنَةً في الناسِ مَعدومُ
  وَمُطعَمُ الغُنمِ يَومَ الغُنمِ مُطعَمُهُ أَنّى تَوَجَّهَ وَالمَحرومُ مَحرومُ
  وَمَن تَعَرَّضَ لِلغِـربانِ يَزجُرُها عَلى سَلامَتِهِ لابُدَّ مَشؤومُ
  وَكُلُّ بَيتٍ وَإِن طالَت إِقامَتُهُ عَلى دَعائِمِهِ لابُدَّ مَهدومُ

 


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
فن الرثاء واتجاهاته في العصر الأموي

كان الرثاء في هذا العصر يقوم على الندب وهو البكاء على الميت، والتأبين وهو ذكر صفات الميت ومحاسنه، والعزاء وهو تقديم السل...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
الشعر الإسباني في المنفى

مع انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية غادر إلى المنفى معظم الأعلام المهمين في الشعر الغنائي الإسباني المعاصر. مات أنطونيو م...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
الزجل

تسميات عديدة أُطلِقتْ على شعر محبَّب من عامة الناس في قرى ريفنا الجميل، وبَعض مدننا، يغنيه أبناء هذه المناطق أينما وجدوا...

اقرأ المزيد