بحث متقدم
background

الحياة الثقافية في العصر الجاهلي 


مقدمة

ترتبط مظاهر التفكير العقلي عند الجاهليين بتجليها عن أبعاد ثقافية. ويظهر مفهوم الثقافة في الجاهلية في جملة عادات، وقيم، ومعارف، وفنون كانت بارزة في عصرهم، ولاسيما الشعر الذي كان "علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه".

و إذا كانت طبيعة العصر تحدد مفهوماته، فالثقافة وفق هذه الطبيعة هي "أن يصير الرجل حاذقاً فطناً"، وهذا المفهوم استُمِدَّ من البيئة الجاهلية بطريقة تنسجم مع مجتمعها، فقد نُقِل من تثقيف الرماح؛ أي تسويتها. وترشدنا صياغة المصطلح إلى محتواه التربوي القيمي؛ أي إعداد الرجل وفق معايير العصر بما يجعله حاذقاً فهماً مؤهلاً ليكون سيد هذه البيئة التي تشكل إطاره الطبيعي الاجتماعي. فكانت منظومة الأخلاق والآداب الاجتماعية والقيم التي التزم بها الجاهليون نتاجاً حيّاً للثقافة الجاهلية التي نظمت وجودهم. فبيّن الجاهليون بعض معارفهم في أشعارهم بطريقة مباشرة. يقول عنترة في حديثه عن الأنواء ومعرفته الفلكية:

  لَعِبَتْ بها الأَنْواءُ بعد أنيسِها والرَّامِساتُ وكلُّ جَوْنٍ مُسْبلِ

و يشير إلى معرفته بالنسب والتاريخ، فيتحدّث عن أبناء نوح وحجر الكعبة:

  يُقَدّمُهُ فَتىً مِنْ خَيْرِ عَبْسٍ أبوهُ وأُمُّهُ مِنْ آلِ حامِ
  عَجُوزٌ مِنْ بَني حَامِ بْنِ نُوحٍ كأَنّ جَبينَها حَجَرُ المَقامِ

وقدّم بعض الجاهليين معارفهم في أشعارهم، واستمدوا من ذاكرتهم المعرفية الشخصيات الأسطورية، فتحدث زهير بن جَناب الكلبي عن قصة سليمان وتسخير الجن:

  أَصَبنَ سُلَيمانَ الَّذي سُخِّرَت لَهُ شَياطينُ يَحمِلنَ الجِبالَ الرَّواسِيا

وكذلك فعل النابغة الذبياني:

  إِلّا سُلَيمانُ إِذ قالَ الإِلَهُ لَهُ قُم في البَرِيَّةِ فَاِحدُدها عَنِ الفَنَدِ
  وَشَيِّسِ الجِنَّ إِنّي قَد أَذِنتُ لَهُم يَبنونَ تَدمُرَ بِالصُّفّاحِ وَالعَمَدِ

واستحضر خفاف بن ندبة أسطورة صُحْر لتمثيل حاله مع عدو يكيد له، وهو لم يقترف ذنباً، فوجد بهذه الأسطورة تجربة تعكس واقع حاله:

  وعباسٌ يَدِبُّ ليَ المنايا ومَا أَذْنَبْتُ إلا ذَنْبَ صُحْرِ

انطلق خفاف في توظيف أسطورة صحر من المثل القائل "ما لـي ذَنْب إِلاَّ ذنب صُحْرَ"، وهو يقوم على حكاية أسطورية تقول: "صُحْرُ هي بنت لقمان العادي، وابنه لُقَـيم خرجا فـي إِغارة فأَصابا إِبلاً، فسبق لُقَـيم، فأَتـى منزله فنـحرت أُخته صُحْرُ جَزُوراً من غَنـيمته، وصنعت منها طعاماً تتـحِف به أَباها إِذا قدِم، فلـما قدِم لُقْمان، قدَّمت له الطعام، وكان يحسُد لقـيماً، فَلَطَمَها، ولـم يكن لها ذنب." ويذكر تأبط شراً (لقمان)، موحياً بمحنة خياره في موقف خطر، عاشه في إحدى غاراته، فيقارن بين حاله وحال لقمان في محنة خياره بين نسوره:

  فَإنَّكَ لَوْ قَايَسْتَ بِاللِّصْبِ حِيلَتِي بِلُقْمَانَ لَمْ يُقْصِر بِيَ الدَّهْرَ مُقْصِرُ


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
الصعاليك

لم يكن شعر الصعاليك بدعاً من الشعر الجاهلي لأنه جزء لا يتجزأ منه، فما يقال عن الشعر الجاهلي ينطبق على شعر الصعاليك في مع...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
اعتذاريات النابغة الذبياني

ارتبطت رؤيا النقاد إلى اعتذاريات النابغة بتقدير خفي لشخصية النابغة الشعرية، فكانوا يبحثون له عن مخرج تأويلي يبقي للشاعر ...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
الوصف في العصر الأموي

وقد عرض بعضهم لوحات تتسم بالجدة والإبداع في تصويرها في أفق الثقافة الإسلامية الجديدة التي أتت على تقديم صور قرآنية للجيا...

اقرأ المزيد