بحث متقدم
background

التجديد في فن الرجز 


مقدمة

طرأت على فن الرجز في العصر الأموي تغيرات تكاد تكون جذرية بفضل نمو جملة من الآداب والمعارف الجديدة، ولاسيما علوم اللغة وقواعدها، فاتجه الرجاز إلى توظيف هذا الفن وجهة تعليمية، فلم يعد الرجز عندهم مقصوراً على الأغراض الشعرية المعهودة، فحولوا الأراجيز إلى قوالب نظم لغرائب اللغة وشواردها. وشكل إرهاصات أولية للعصور التالية في الانتقال به إلى الشعر التعليمي، وأبعد الرجاز بهذا التحول فن الرجز عن شعبيته المعهودة وتحويله إلى شعر يخص طبقة الأدباء واللغويين، وانبرى العجاج يكثر في أراجيزه القياس والاشتقاق بحسب ذوقه في الألفاظ العربية والفارسية بقصد الإغراب:

  لَقَد وَجَدتُم مُصعَباً مُستَصعَبا
  حين رَمى الأحزابَ وَالمُحزِّبا
  وَخَشَبى الأَعجَمِ وَالمُخَشِّبا
  وَالدَّربَ ذا البُنيانِ وَالمُدَرَّبا
  وَابنَ أَبي عُبَيدٍ المُكَذِّبا
  وَالسَبَئيَّ وَالمُراشَ المُذنِبا
  بِحاجِبَي سَبعينَ أَلفاً مُعرِبا
  مَوجاً تَرى قُدموسَهُ مُكَوكَبا

واتجه رؤبة بن العجاج هذا الاتجاه في الغرابة واستعمال الاشتقاق حتى باتت أراجيزه تحتاج في قراءتها إلى خبرة كبير في اللغة وقواعدها:

  وَبَلَدٍ عامِيَة أَعْمَاؤُهُ كَأَنَّ لَوْن أَرْضِهِ سَمَاؤُهُ
  أَيْهاتَ مِنْ جَوْزِ الفَلاةِ مَاؤُهُ يَحْسِرُ طَرْفَ عَيْنِهِ فَضَاؤُهُ
  هابِي العَشِيِّ دَيْسَقٍ ضَحَاؤهُ إِذا السَّرابُ انْتَسَجَتْ إِضَاؤُهُ
  أَوْ مُجْنَ عَنْهُ عُرِّيَت أَعْراؤُهُ وَاجْتَابَ قَيْظاً يَلْتَظِي الْتِظاؤُهُ

وقد بلغت الأراجيز حداً كبير من الصعوبة في صوغها اللغوي عند رؤبة، وتحولت عنده متناً لغوياً معقداً يختارها من وحشي الكلام فلا يفهمها إلا اللغويون الضالعون باللغة وغرائبها، وكان يضيف إلى الألفاظ زوائد تزيدها استغلاقاً وإغراباً مثل قوله في وصف الليل:

  وَجُلُّ لَيْلٍ يُحْسَبُ السَّدُوسا يَسْتَسْمِعُ السارِي بِهِ الجُرُوسا
  هَمَاهِماً يُسْهِرْنَ أَوْ رَسِيسا قَرْعَ يَدِ اللَعّابَةِ الطَّسِيسا
  عَلَوْتُ حِينَ يُخْضِعُ الرَّعُوسا أَغْيَدَ يَسْقِي مَوتَهُ النَّعُوسا

ونلاحظ هذا الكم من اللغة الغريبة فهو يريد (جل الليل: معظمه. السدوس: الطيلسان الأخضر. جروس: جمع جَرْس وهو الصوت.

هماهم: جمع همهمة وهي الصوت الخفي. الرسيس: الحديث غير المبين. الرعوس: الذي يهز رأسهُ في نومه. الطسيس: الطست. يريد أن النوم يميل رأسه ويلعب به كما يلعب اللاعب بالطست.

ونلاحظ أنه جمع جرس على جروس، وتخير ألفاظاً غريبة يحشو بها وصفه مثل: السدوس والرسيس الرعوس. وأتى بالطست بصيغة غير مألوفة وهي الطسيس، ولاءم بين الروي والكلمات الداخلية فاختارها من ذوات السين.

لقد اتبع رؤبة في هذا المنهج أباه، غير أنه كان أكثر إسرافاً في استجلاب الغريب والحوشي.

وبدأ الرجاز يفتتحون بعض أراجيزهم بالحمد والثناء على الله بدل الوقوف على الأطلال:

  الحَمدُ لِلّهِ الَّذي استَقَلَّتِ
  بإذنه السَّماءُ وَاطمَأَنَّتِ
  وَحى لَها القَرارَ فَاستَقَرَّتِ
  وَشَدَّها بِالرّاسياتِ الثُّبَّتِ

وأسس هذا الافتتاح نشوء أراجيز الوعظ والإرشاد، وأصبحت لديهم أراجيز خالصة للعظة والابتهال، العجاج:

  إِذ بَلَغَ المَوتُ إِلى المُخَنَّقِ
  وَزايَلَ الصَّريحَ كُلُّ مُلزَقِ
  كَأَنَّهُم من زاهِقٍ وَمُزهَقِ
  بَينَ الزَّرانيقِ وَعَطفِ الأَبرَقِ

أظهرت النماذج السابقة بعض اتجاهات الرجاز في العصر الأموي إلى صور التجديد التي ألحقوها بهذا الفن، وتحويله عما كان مألوفاً فيه من شعبية والتصاق بأغراض عامة إلى أغراض لغوية محضة اقتربت به من الوظيفة التعليمية.


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
الهجاء في العصر الأموي

اتسع انتشار الهجاء على ألسنة شعراء العصر الأموي، الذين استفادوا من أجواء الصراع والتنافس الذي حدث في العصر الأموي، فصار ...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
الميجنا

يتكوّن ما يسمى (بيت الميجنا) من أربعة أشطر كالعتابا شكلاً، ثلاثة منها تنتهي بالجناس والشطر الأخير ينتهي بـ الـ (نا) وهذا...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
الغـــــــــزل في العصر الجاهلي

لاشك في أن السمة العامة للغزل الجاهلي كانت تتعلق بالحسية، ووصف الجسد وتصوير المفاتن، على نحو ما مرّ، ولكن نلمح توجهاً رأ...

اقرأ المزيد