بحث متقدم
background

إلياس فرحات(1893-1977) 


مقدمة

إلياس فرحات شاعر مهجري كبير، نظم شعره بالفصحى والعامية، وصوّر فيه همومه وأحداث وطنه الصغير لبنان، وأحداث وطنه العربي الكبير، على الرغم من بعده عنهما، ويُعدّ مع الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري) من أبرز وأشهر شعراء المهجر الجنوبي في البرازيل، وتقديراً لمواقفه القومية فقد دعته سورية لزيارتها عام 1959، وأقامت له عدداً من حفلات التكريم، ونشرت له وزارة الثقافة السورية أكثر من كتاب.

ولد إلياس حبيب فرحات عام 1893 في بلدة "كفرشيما" بلبنان، مسقط رأس آل تقلا والشميّل واليازجي. وهم من أعلام الأدب والصحافة واللغة، وتردد في صباه على مدرسة الدير في بلدته، حتى إذا بلغ العاشرة من عمره ترك التعليم النظامي، دون أن يتعلّم غير كتاب "المزامير" لداود النبي، ومبادئ القراءة، لكنه عوّض عن ذلك بالاعتماد على نفسه، والعكوف على المطالعة والتحصيل، حين تسمح له ظروف العمل الشاق، فقد عمل في مهجره بائعاً متجولاً، وجابياً لبعض الصحف، واقتنى قطيعاً من الغنم، ثم عمل في تربية الخنازير، وفي الصحافة، وكان إذا سئل: "كيف تعلمت نظم الشعر، وأنت لم تدخل المدارس، ولم تتخرجْ في الجامعات؟ أجاب:

  فقلت: أخذت القريضَ صبياً عن الطيرِ وهي تغنّي السَّحَرْ
  وعن خطرات النسيم العليلِ يمرّ فيشفي عليلَ البشرْ
  وعن ضحكاتِ مياهِ الجداولِ فوق الجلامدِ تحتَ الشجرْ

كما عمل في طفولته نجاراً في بيروت وزحلة، ومنضد حروف في مطابع بيروت ودمشق، وفي تقشيش الكراسي...ولم يبدأ نظم الشعر الفصيح إلا بعد أن جاوز العشرين من العمر وهو في البرازيل التي هاجر إليها عام 1910، وكان عمره آنذاك سبعة عشر عاماً، ولعل التجارب القاسية والأعمال الشاقة التي مارسها في المهجر هي التي أنطقته بالشعر، فكان شعره وليد المعاناة، وقد وصف هذه الحياة المضنية بقوله:

  طوى الدهرُ من عمري ثلاثين حجةً طويت بها الأصقاعَ أسعى وأدبُ
  أغرّبُ خلفَ الرزقِ وهو مشرِّقٌ وأقسم لو شرّقت راح يغرِّبُ
  فنشرب مما تشرب الخيلُ تارةً وطوراً تعاف الخيلُ ما نحن نشرب
  حياةُ مشقّاتٍ ولكنْ لبعدِها عن الذلّ تصفو للأبيّ وتعذُبُ

عرف الشاعر إلياس فرحات الحب قبل هجرته إلى البرازيل، وتعاهد مع حبيبته على الوفاء، وأعطته خصلة من شعرها ليظل يتذكرها، ولكنه لم يكدْ يغترب حتى قطعت الحبيبة الأمل من عودته، فزوجها أبوها لغيره، وكانت هذه الخصلة تسلية له عن فجيعته بحبه، وقد خاطب الحبيبة التي خانت العهد، وأخلّت بالوعد، أو أنها أُرغمت على خيانته في قصيدة عنوانها "خصلة الشعر" قائلاً:

  خَصْلة الشعر التي أهديتنيها عندما البينُ دعاني للنفيرْ
  لم أزلْ أتلو سطورَ الحبِ فيها وسأتلوها إلى اليومِ الأخيرْ
  خنتِ عهدَ الحبِ لا بأسَ فإني أكتفي بالأثرِ الغالي الثمينْ
  فأنا ما عدت أحيا بالتمنّي بعد أن منيتني عشرَ سنينْ

كان فرحات شاعراً خفيف الظل، لطيف النكتة، حاضر البديهة، إضافة إلى كونه شاعراً قومياً ملتزماً، دافع عن العروبة، ووقف إلى جانب الأحرار والمضطهدين والمهمّشين...

كانت نار الشوق والحنين إلى الوطن، وإلى مرابع طفولته، وذكريات صباه في "كفرشيما" وإلى من أحبها، وأهدته خصلة الشعر عربوناً للوفاء، تكوي قلبه ولذلك نراه يهتف من مكان إقامته في "بلّلو أوريزنتي" أو "الأفق الجميل" قائلاً:

  نازحٌ أقعده وَجْدٌ مقيمْ في الحشا بين خمودٍ واتقادْ
  كلّما افترّ له البدرُ الوسيمْ عضّه الحزن بأنيابٍ حدادْ
  يذكر العهدَ القديمْ فينادي:
  أين جنات النعيمْ من بلادي؟

وكثيراً ما يدعو في شعره إلى إقامة الوحدة العربية الشاملة، وإلى نبذ التعصب الديني والطائفي الذي ابتليت به بلادنا للأسف، وقد ورثناه عن عهود الظلام والتخلف والاستبداد التي على شرقنا العربي زمناً طويلاً، فلنسمعه يقول:

  ما الشامُ ما لبنانُ ما حورانُ ما عمّانُ والقدسُ الشريفُ الخالدُ
  هذي الدويلاتُ المبعثرةُ القوى عُمُدٌ يقوم بهنّ بيتٌ واحدُ
  إن التعصبَ للمذاهبِ شرُّ ما أبقى لأمتنا الزمانُ البائدُ

ترك فرحات عدة دواوين وكتب نثرية، فقد صدرت له أول مجموعة شعرية عام 1925 بعنوان "رباعيات فرحات" وصدر له عام 1932 "ديوان فرحات"، وعام 1952 ديوان "أحلام الراعي"، ثم عاد فطبع شعره في أربعة دواوين عام 1954 على نفقة الجاليات العربية في أميركا وهي:

الربيع، الصيف، الخريف، الشتاء، ثم أصدرت له وزارة الثقافة السورية ديواناً بعنوان "فواكه رجعية" وصدر له في مصر ديوان بعنوان "مطلع الشتاء" عام 1967، وكان آخر ما نشرته له وزارة الثقافة في سورية كتاباً ضمّنه ذكرياته بعنوان "قال الراوي" عام 1965.

توفي فرحات عام 1977 وهو في الرابعة والثمانين من عمره، ودفن في البرازيل.


لقراءة كامل المقال يرجى الاتصال بالشخص المسؤول.

مقالات مرتبطة

موسوعة الفراشة
أساتذته

هو أبو العبّاس عبد الله بن المعتزّ بن المتوكّل بن المعتصم بن هارون الرشيد. ولد في سامرّاء عام(247هـ/ 861م)، ومات عام(296...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
عبد الله هادي سبيت(1922 -.....)

أقام في مصر ست سنوات ونصف السنة، وستة أشهر في الكويت، أصدر ديوانه "الدموع الضاحكة" عام 1953، وأهم ما يلاحظ على...

اقرأ المزيد
موسوعة الفراشة
محمد حافظ رجب

تعدّ نصوص محمد حافظ رجب من النصوص المتمردة السريالية، أبطالها بشر من غير أسماء، لديهم مقدرة قوية أو هم رؤوس تتحوّل إلى ك...

اقرأ المزيد